ابن ميثم البحراني
216
شرح نهج البلاغة
الانتقام منهم مع قدرته التامّة على كلّ مقدور غيظ ولا طيش . والفرق بينه تعالى وبين العبد في هذا الوصف أنّ سلب الانفعال عنه سلب مطلق وسلبه عن العبد عمّا من شأنه أن يكون له ذلك الشيء فكان عدم الانفعال عنه تعالى أبلغ وأتمّ من عدمه عن العبد ، وبذلك الاعتبار كان أعظم ، ولمّا كان الحلم يستلزم العفو عن الجرائم والصفح عنها سمّى إمهاله تعالى للعبد وعدم مؤاخذته بجرائمه عفوا فلذلك أردف وصفه لعظمة الحلم بذكر العفو ، وعطفه بالفاء لاستعقاب الملزوم لازمه بلا مهلة . الخامس : وعدل في كلّ ما قضى . ولمّا كان العدل عبارة عن التوسّط في الأفعال والأقوال بين طرفي التفريط والإفراط ، وكان كلّ ما قضاه تعالى وحكم عليه بوقوعه أو عدم وقوعه جاريا على وفق الحكمة والنظام الأكمل لما بيّن ذلك في مظانّه من العلم الإلهيّ لا جرم لم يكن أن يقع في الوجود شيء من أفعاله أو أقواله منسوبا إلى أحد طرفي التفريط والإفراط بل كان على حاقّ الوسط منهما وهو العدل . وقيل : قضى بمعنى أمر كقوله تعالى « وقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ » ( 1 ) وهو داخل فيما قلناه فإنّ ما أمر بإيجاده أو نهى عنه داخل فيما حكم عليهم بوقوعه أو عدم وقوعه . السادس : وعلم ما يمضى وما مضى . إشارة إلى إحاطة علمه بكلّ الأمور مستقبلها وماضيها وكلَّيّها وجزئيّها ، وقد أشرنا إلى ذلك فيما قبل . السابع : مبتدع الخلايق بعلمه . ظاهر كلامه عليه السّلام ناطق بأنّ العلم هنا سبب لما ابتدع من خلقه ولا شكّ أنّ السبب له تقدّم على المسبّب من جهة ما هو سبب وهذا هو مذهب جمهور الحكماء ، والخلاف فيه مع المتكلَّمين . إذ قالوا : إنّ العلم تابع للمعلوم والتابع يمتنع أن يكون سببا . فالباء على رأيهم إذن للاستصحاب ، وعلى الرأي الأوّل للتسبّب . ونحن إذا حقّقنا القول وقلنا : إنّه لا صفة له تعالى تزيد على ذاته وكانت ذاته وعلمه وقدرته وإرادته شيئا واحدا وإنّما تختلف بحسب اعتبارات تحدثها عقولنا الضعيفة بالقياس إلى مخلوقاته كما سبق بيانه
--> ( 1 ) 17 - 24 .